عبد الوهاب الشعراني

650

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

قلت : وهذا هو الذي شرطه الشيخ هو مذهب بعضهم ، والراجح من مذهب الشافعي استحباب السلام مطلقا لحديث أبي داود وغيره مرفوعا : « لا يحلّ لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث فإن مرّت به ثلاث فلقيه فليسلّم عليه فإن ردّ عليه السّلام فقد اشتركا في الأجر وإن لم يردّ السّلام فقد باء بالإثم وخرج المسلم عن الهجرة » واللّه أعلم . فاعمل يا أخي بالسنة فإن الخير كله فيها واللّه يتولى هداك . وقد روى الترمذي والطبراني مرفوعا : « ليس منّا من تشبّه بغيرنا ، لا تشبّهوا باليهود ولا بالنّصارى فإنّ تسليم اليهود بالإشارة بالأصابع ، وإنّ تسليم النّصارى بالأكفّ » . وروى أبو يعلى بإسناد صحيح : « تسليم الرّجل بأصبع واحد يشير بها فعل اليهود » واللّه أعلم . [ النهي عن التسليم على كافر أو تكليمه بتفخيم له إلا لضرورة شرعية : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن لا نسلم على كافر ولا نكلمه بكلام فيه تفخيم إلا لضرورة شرعية مع عدم ميل قلبنا إليه بالمحبة ، وهذا العهد يقع في خيانته خلق كثير ممن يقبل من الكفار برهم وحسنتهم ، أو يتطبب بهم ويحصل له الشفاء من اللّه تعالى أيام تطببه ، أو يصبر عليه بالخراج إن كان مباشرا تحت أيدي الظلمة فيحكم على ذلك الفقير أو المريض أو الفلاح الميل إلى ذلك الكافر قهرا عليه ، فيعسر عليه معاداته بالقلب كما أمره اللّه تعالى ويودهم ، فيصير عاصيا بذلك لأوامر اللّه عز وجل في نحو قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [ الممتحنة : 1 ] الآية . وانظر كيف بين اللّه تعالى لنا عداوة الكفار حتى لا يبقى لنا عذر في مودتهم ، لعلمه تعالى بأن فينا من لا يغار للّه تعالى ولا يعادي من عاداه اللّه تعالى إجلالا للّه تعالى ، فأخبرنا تعالى أنهم أعداء لنا كذلك تحريضا لنا على عدم موادّتهم من كل وجه ، ولو علم تعالى منا كمال الإيمان والمحبة له وأننا نترك موادة الكفار إذا خالفوا أمر اللّه وحده دوننا لما أخبرنا بمعاداتهم لنا فافهم ، وإياك والاعتراض على من رأيته يفخم الكفار ببادي الرأي ، بل تربص في ذلك فربما يكون له عذر شرعي في ذلك من خوف أذاه ونحوه كتمييل قلبه لأهل الإسلام أو الإسلام ، وأقم العذر لإخوانك المسلمين فإنهم لم يعظموا اليهود والنصارى إلا بعد تقريب الولاة لهم ، وجعلهم صيارف ومكاسين وحاكمين على تجارنا وعلمائنا ومشايخنا في جميع ما يأتيهم من الأنواع التي لهم عليها عادة ، فتصير أحمال الواحد منا مطروحة على شاطىء البحر مثلا لا يقدر على تخليصها حتى يأتي المعلم ويفرج عنا ، فطاعتنا لهم وتحسيننا لهم الألفاظ إنما هي حقيقة أدب مع الولاة الذين ولوهم ، فاعرف زمانك يا أخي .